الجاحظ
243
المحاسن والأضداد
محاسن مكر النساء ذكروا إن الحجاج بن يوسف أرق ، ذات ليلة ، فبعث إلى ابن القرية ، فقال : ( أرقت ، فحدّثني حديثا يقصر عليّ طول ليلي ، ولكن من مكر النساء وفعالهنّ ) . فقال : أصلح اللّه الأمير ! ذكروا أن رجلا يقال له عمرو بن عامر من أهل البصرة ، كان معروفا بالنسك والسخاء . وكانت له زوجة يقال لها جميلة ، وله صديق من النسّاك . فاستودعه عمرو ألف دينار ، وقال : إن حدثت بي حادثة ، ورأيت أهلي محتاجين ، فأعطهم هذا المال . فعاش ما عاش ، ثم دعي فأجاب ، فمكثت جميلة بعده حينا ، ثم ساءت حالها ، وأمرت خادمتها يوما ببيع خاتمها لغداء يوم أو عشاء ليلة . فبينا الخادمة تعرض الخاتم على البيع ، إذ لقيها الناسك صديق عمرو ، فقال : فلانة ؟ قالت : نعم . قال حاجتك ؟ فأخبرته بسوء الحال ، وما اضطرت إليه مولاتها من بيع خاتمها ، فهملت عيناه دموعا ، ثم قال إن لعمرو قبلي ألف دينار ، فأعلمي بذلك صاحبتك . فأقبلت الجارية ضاحكة مستبشرة ، وهي تقول : رزق حلال عاجل من كد مولاي الكريم الفاضل . فلما سمعت مولاتها ذلك ، سألتها عن القصة ، فأخبرتها ، فخرّت ساجدة ، وحمدت ربها ، وبعثت بالجارية إلى الناسك ، فأقبل الناسك ومعه المال ، فلما دخل الدار ، كره أن يدفع المال إلى أحد سواها ؛ فخرجت ، فلما نظر إلى جمالها وكمالها ، اخذت مجامع قلبه ، وفارقه النّهى ، وذهب عنه الحياء ، وأنشأ يقول : قد سلبت الجسم والقلب معا * وبريت العظم مما تلحظين